وهبة الزحيلي
305
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فهو غنيّ عنهم وقادر على إغنائهم ، ولكن ليحمل العباد على أعمال الخير والبرّ . التفسير والبيان : يخبر اللّه تعالى أنه مالك السماوات والأرض وأنه الحاكم فيهما ، وأن جميع ما فيهما للّه ملكا وخلقا وإيجادا وتصريفا وعبيدا ، له الحكم المطلق . ولقد أمرنا من قبلكم من اليهود والنصارى وغيرهم بما أمرناكم ، ووصيناهم بما وصيناكم به من تقوى اللّه عزّ وجلّ بعبادته وحده لا شريك له ، وإقامة سننه وشريعته . وإن تكفروا نعم اللّه وإحسانه ، فإن اللّه مالك الملك لا يضرّه كفركم وعصيانكم ، كما لا ينفعه شكركم وتقواكم ، وقد أوصى بهما لرحمته ، لا لحاجته . وقوله : وَإِنْ تَكْفُرُوا عطف على اتَّقُوا لأن المعنى أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا فإن للّه الملك ، والمعنى - كما قال الزمخشري « 1 » - : إن للّه الخلق كله ، وهو خالقهم ومالكهم ، والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها ، فحقّه أن يكون مطاعا في خلقه غير معصيّ ، يتّقون عقابه ، ويرجون ثوابه ، ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السالفة ووصيناكم أن اتّقوا اللّه ، يعني أنها وصية قديمة ما زال يوصي اللّه بها عباده ، لستم بها مخصوصين ؛ لأنهم بالتقوى يسعدون عنده ، وبها ينالون النجاة في العاقبة ، وقلنا لهم ولكم : وإن تكفروا فإن للّه في سماواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحّده ويعبده ويتّقيه . وكان اللّه بذاته غنيّا عن خلقه وعن كل شيء وعن عبادتهم جميعا ، مستحقّا لأن يحمد بذاته وكمال صفاته لكثرة نعمه ، وإن لم يحمده أحد منهم ، قال اللّه
--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 428 - 429